اللهم أنت الصاحب في السفر
ولعظمة الوقت وحرمته وكونه عمر الإنسان الذي يتعاطى فيه كل تصرفاته، أكثر تعالى منالقسم به، وذكر أجزائه في مواضع متفرقة من كتابه، ليلفت نظر عباده إلى اغتنامه وعدمتفويت شيء منه في غير فائدة، أو استغلاله فيما يعود عليهم بالضرر في الدارين، وهذهأمثلة لذلك:
فمما ذكر تعالى الليل والنهار و الصبح و الضحى و بكرة والإبكاروالظهيرة والعصر و العشي و الأصيل واليوم و الشهر والأشهر و الشهور و السنة والسنينوالعام و الدهر و الساعة والحين والغسق والشمس والقمر،،،، وكثير منها تكرركثيرا
وقد ربط الله كثيرا من الأحكام الشرعية العبادية والعادية بأوقاتمحددة، كالصلاة والصيام والحج ... وعِدد الطلاق، ومدة الحمل والرضاع... وغيرها
ويكفي أن نذكر ثلاثة أمثلة تدل على أهمية الوقت في حياةالإنسان:
المثال الأول: قوله تعالى: ((والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذينآمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)) [العصر]
فقد أقسمتعالى بالعصر ـ سواء كان الدهر كله، أو وقت العصر، أو صلاة العصر التي تؤدى فيه ـثم أتبع القسم بالإخبار بخسارة كل إنسان يوجد على ظهر الأرض، وأكد تلك الخسارةبثلاثة تأكيدات:
التأكيد الأول: القسم في قوله: ((والعصر))
والتأكيدالثاني: حرف "إن" وهي من المؤكدات في اللغة العربية.
والتأكيد الثالث: بحرفلام الابتداء الداخلة على خبر "إن" في قوله ((لفي)) وهي من المؤكداتكذلك.
فالخسران ثابت لهذا الإنسان الذي يتقلب في هذا الزمن، ثباتا مؤكدا لاشك فيه، بمجرد ان يخبر الله تعالى به، لأن تخلف المخبر به لا يحصل إلا إذا جاز علىمن أخبر به الكذب، أو جاز العجز على من ينشئ المخبر به...
والله تعالى منزهعن الأمر، فقوله صدق لا يعتريه الكذب: ((ومن أصدق من الله قيلا)) وهو تعالى لايعجزه شيء، لأنه على كل شيء قدير، وهو إنما يقول للشيء ((كن فيكون((
ومع ذلكأكد حصول الخسران على كل إنسان بهذه التأكيدات، رحمة منه بهذا الإنسان ليأخذ الخبرمأخذ الجد، ويهتم بحماية نفسه من هذا الخسران.
ولا يحميه منه إلا الخصالالأربع التي استثنى الله تعالى أهلها في قوله: ((إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحاتوتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر((
وكلها إنما تحدث في أول المؤكدات الثلاثة،وهو الزمن "العصر" والتقصير فيها أو في بعضها إنما يحصل فيه كذلك...وهذا يدل على أنالإنسان العاقل يحرص على استغلال الوقت في الأعمال النافعة، ويتجنب فيه الأعمالالضارة، لينجو من الخسران، وأن مَن نقص عقله يخرج عن هذا السبيل، فيملأ أوقاته بمايضره أو يضر غيره، أوبما لا فائدة له فيه.
المثال الثاني: قوله تعالى: ((والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن سعيكملشتى (4) [سورة الليل]
فقد أقسم تعالى بالليل والنهار [وهما ظرفان لسعيالبشر وسكونه] كما أقسم بنفسه، وهو الذي يحاسب على تصرفات المخلوقين، أقسم على إخبارهتعالى بأن سعي الناس مختلف، منهم من يملأ أوقات عمره بالطاعات التي تقربه إلى الله،ومنهم من يملأها بالمعاصي التي تبعده عن خالقه... ثم فصل ذلك في بقية آيات السورةكما هو واضح.
المثال الثالث: ((وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحاغير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فماللظالمين من نصير)) [فاطر (37)]
يمنح الله تعالى الناس أزمانا يعيشون فيهافي الدنيا، وهي أعمارهم التي يكلفهم فيها طاعته واجتناب معصيته، ثم يحاسبهم علىأعمالهم يوم القيامة، فمن آمن به وأطاعه أدخله الجنة، ومن كفر به وعصاه أدخلهالنار.
وفي هذه الآية ذكر الله تعالى أن الكفار عندما يدخلون النارويذوقون عذابه الشديد، ينادون بأصوات مرتفعة مستغيثين من ذلك العذاب، نادمين علىالأوقات التي قضوها في معصية الله في الدنيا، طالبين الرجوع إليها، ليتداركوا مافاتهم من العمل الصالح..
ولكن الله تعالى يبكتهم، ويذكرهم بأنه قد منحهم منالأوقات في الدنيا ما كان كافيَهم للتذكُّر والتوبة إلى الله والطاعة له، والإقلاععن الكفر به ومعصيته، إنه العمر الذي يحاسب الله تعالى عليه صاحبه على ما قدم: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)) 8) الزلزلة)
ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم، الناس كلهم، من حسابالله تعالى لهم، على أعمارهم فيم أفنوها، وبخاصة أيام شبابهم التي يكتمل فيهانشاطهم وقوتهم الجسمية والعقلية.
كما في حديث أبي برزة الأسلمي، قَال قالرسول الله : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة، حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمهفيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) [الترمذي، برقم (2417) و قال: "هذا حديث حسن صحيح"]
وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قالقَال رسول الله : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال، عن عمرهفيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمهماذا عمل فيه) [الترغيب والترهيب، برقم (5444) وقال: "رواه البزار والطبراني بإسنادصحيح واللفظ له"[
فقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذين الحديثين، أنالله يسأل خلقه يوم القيامة، عن كل ما أتوه في أوقات حياتهم، وهي أعمارهم، عن علمهموعملهم، وعن ما اقترفته أعضاؤهم، وعن أموالهم من أين اكتسبوها وفيم أنفقوها...فابنآدم مسئول عن عمره كله.
فلا يظنن امرؤ أنه مطلق الحرية في تصرفاته في جميعأوقاته، وبخاصة أوقات فراغه، بعيدا عن منهج الله، بل يجب أن يعلم أن أوقات الفراغالتي لا يستغلها فيما ينفعه في دينه ودنياه، هي أشد غبنا وندامة عليه من غيرها،وبخاصة من أنعم الله عليه فيها بالصحة والغنى الذي قد يتمكن به من تعاطي كثير منالمعاصي التي لا يقدر على تعاطيها الفقراء
كما في حديث ابن عباس رضي اللهعنهما قَال قال النبي : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ) [البخاري، برقم (6049)]
بل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، الإنسانباغتنام الفرص التي يمنحه الله تعالى في أوقات عمره، قبل أن يفقدها، فيندم على عدماغتنامها، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال قَال رسول الله : لرجل وهويعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك،وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) [الحاكم في المستدرك، برقم (7846) وقال: "هذاحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"]
وإن من أهم ما يورد الإنسان مواردالهلاك، الغفلة والإعراض واللهو واللعب، التي تنسي صاحبها اغتنام الفرص المتاحةلاستثمار حياته في عمل الخيرات وترك المنكرات، والإعراض عن ذلك كما قال تعال:
)اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهممحدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذاإلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) (3)) [الأنبياء]
بل إن هذهالغفلة لتعطل على صاحبها أدوات استقبال التوجيه الإلهي التي من الله تعالى بهاعليه، حتى يصير بذلك التعطيل أحط من الحيوانات العجماء، كما قال تعالى:
)ولقدذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بهاولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)) [الأعراف (179)]
|